وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

السياسة في تركيا

مجلس الأمة التركي الكبير؛ النص على الجدار: “السيادة ملك الامة دون قيد او شرط” مصطفى كمال أتاتورك

المقدمة

نشأت الجمهورية التركية في عام 1923 كرد فعلٍ على الهزيمة التي تلقتها الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى و”حرب الاستقلال” التي خاضها الأتراك بقيادة مصطفى كمال أتاتورك في مواجهة اتفاقية سيفر وما كانت ستؤدي إليه من تقسيمٍ لأراضي الأناضول بين الحلفاء. وعلى خلفية بروز أتاتورك كزعيم وقائد منتصر في أعقاب حرب الاستقلال، فقد نجح هذا الأخير في فرض رؤيته لـ”تركيا جديدة” بعيدة عن إرثها العثماني والإسلامي وأكثر قرباً من “العلمانية الكمالية” والحضارة الغربية.

وعلى هذا النحو، فقد تم إلغاء السلطنة العثمانية في نوفمبر 1922، في حين بقيت الخلافة العثمانية حتى مارس 1924، عندما قام أتاتورك، رئيس الجمهورية التركية الأول، بطرد آخر الخلفاء العثمانيين عبد المجيد الثاني مع أسرته خارج البلاد.

وخضعت تركيا حتى نهاية الحرب العالمية الثانية لنظام حكمٍ استبدادي تحت سلطة حزبٍ واحد وهو حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه أتاتورك. ورغم تمكّن تركيا في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية من الانتقال إلى مرحلة التعددية الحزبية، إلا أن تحرير النظام السياسي واجه العديد من الصعوبات، حيث تعرضت الديمقراطية التركية بين عامي 1960 و1980 إلى ثلاث انقلاباتٍ عسكرية. وفي فبراير 1997، اضطر رئيس الوزراء نجم الدين أربكان، قائد حزب الرفاه الإسلامي، إلى الاستقالة من منصبه بعد ما وجه له قادة الجيش مذكرة “تهديد” تم تسميتها اصطلاحاً بـ”انقلاب ما بعد الحداثة”.

ومنذ عام 2002، يحكم البلاد حزب العدالة والتنمية الاسلامي المعتدل بنجاح. ومع ذلك، بقي الصراع الدائر مع الحركة الوطنية الكردية دون حل، رغم وجود تطورات هامة تخدم هذه القضية.

وشهدت تركيا في يوليو 2016 محاولة انقلاب فاشلة ضد الرئيس رجب طيب إردوغان. واتهم حزب العدالة والتنمية رجل الدين المعروف فتح الله غولن وحركة “خدمة” التابعة له، والتي وصفت بـ”الكيان الموازي”، بالوقوف محاولة الانقلاب. وشهدت مرحلة ما بعد محاولة الانقلاب اعتقال عشرات الآلاف من الأتراك على خلفية اتهامات بالانتماء إلى حركة “خدمة”.

وفي إبريل 2017، صوت 51.4% مقابل 48.6% من الناخبين الأتراك بالموافقة على تعديلات دستورية واسعة اقترحها الرئيس رجب طيب أردوغان بهدف تحويل نظام الحكم من نظامٍ برلماني إلى نظام رئاسي يمنح الرئيس صلاحيات أوسع وأكبر. وشهد الشارع التركي انقساماً حاداً حول هذه التعديلات الدستورية، حيث اعتبر مناصرو إردوغان أنها ستعزز من فعالية السلطة التنفيذية، في حين رأى المعارضون أنها ستمنح إردوغان صلاحياتٍ واسعة كفيلة بتقويض الديمقراطية في تركيا.

الرئاسة

يُظهر انتخاب الرئيس السابق عبد الله غل، الذي لاقى اعتراضاً شديداً من قبل الجيش والأوساط الكمالية عام 2007، مدى أهمية الانتخابات الرئاسية على الصعيد السياسي. وكان الرئيسان اللذان سبقا غل، سليمان ديميريل (1924) وأحمد نجدت سيزر (1941)، الحاميين الرمزيين للائتلاف السياسي مع الجيش. وغالباً ما عارض أحمد نجدت سيزر القوانين التي اعتمدها مجلس الأمة الكبير (البرلمان التركي) وما كان يقوم به رجب طيب إردوغان من تعيينات عندما كان في منصب رئيس الحكومة بين عامي 2003 و2014. وشهد قصر كانكايا، أحد القلاع المقدسة للنظام الكمالي دخول أول “سيدة أولى” محجبة إليه بعد انتخاب غل رئيساً للبلاد.

وانتخب رجب طيب أردوغان رئيساً للجمهورية في 10 آب/اغسطس 2014. وبذل أردوغان جهوداً لإعداد التمهيد لنظام رئاسي، وفق النموذج الأميركي والفرنسي الروسي.

وعلى الرغم من احتجاجات جيزي التي امتدت من مايو إلى يونيو عام 2013، ومزاعم الفساد التي طالت أردوغان وعائلته وأعضاء حكومته، فضلاً عن الصراع المرير بين الحكومة وأتباع الزعيم الديني، المقيم في بنسلفانيا، محمد فتح الله غولن، إلا أنه ثبت عدم قدرة المعارضة على وقف مسيرة أردوغان نحو كرسي الرئاسة. كما لم يحصل أكمل الدين إحسان أوغلو، المرشح التوافقي المشترك لكلٍ من حزب الشعب الجمهوري (CHP)، وحزب الحركة القومية اليميني (MHP)، سوى على 38,4% من الأصوات. في حين حصل صلاح الدين دمرطاش، مرشح حزب الشعوب الديمقراطي اليساري على أقل من 10% من الأصوات، والتي تعدّ نتيجة قوية، على المستوى الوطني، لسياسي مرتبط بالحركة الكردية.

وبصفته رئيس الدولة والجيش، كان رئيس الجمهورية لا يتمتع بسلطة تنفيذية بالمعنى الحرفي للكلمة، وإنما بسلطة رمزية إلى حد كبير. ولكن قبل الانتخابات، صرّح أردوغان بوضوح أنه لا ينوي أن يقتصر دوره على “الرئاسة الشرفية” كما هو حال أسلافه. وبهدف منح الرئيس أردوغان ما يطمح إليه من سلطات تنفيذية وبشكلٍ رسمي، فقد استطاع حزب العدالة والتنمية تأمين حصوله على دعم ما لا يقل عن ثلثي أعضاء البرلمان لتعديل الدستور واقتراح استفتاء شعبي للتحول من نظامٍ برلماني إلى رئاسي.

ونصت التعديلات الدستورية، التي تم إقرارها وستدخل حيّز التنفيذ بعد إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في نوفمبر 2019، على إلغاء منصب رئيس الوزراء ومنح صلاحياته التنفيذية للرئيس ومنها تعيين كبار مسؤولي الدولة كالوزراء ونواب الرئيس. كما سيتولى الرئيس قيادة الجيش، وسيكون في مقدوره إعلان حالة الطوارئ وإعداد الميزانية العامة دون أن يتوجب عليه قطع صلته بحزبه. وسيصدر الرئيس المراسيم المتعلقة بالمسائل التنفيذية التي لا ينظمها القانون بشكلٍ واضح. وستمتد فترة ولايته إلى 5 أعوام يمكن تجديدها لمرّة واحدة فقط.

السلطة التنفيذية

منذ إقرار نظام التعددية الحزبية، أشرف مجلس الوزراء ورئيسه على السلطة التنفيذية، بالتزامن مع تمتع رئيس الجمهورية التركية بسلطة “رمزية” باعتباره ممثلاً للجمهورية ووحدة الشعب التركي. وكان رئيس الوزراء يحصل على الثقة بتصويتٍ من أعضاء البرلمان وغالباً ما كان زعيم أكبر الأحزاب الممثلة فيه. وبقي الحال على ما كان عليه، حتى شهد النظام السياسي التركي تحولاً كبيراً في أعقاب إقرار التعديلات الدستورية في إبريل 2017. وبموجب هذه التعديلات، سيتم إلغاء منصب رئيس الوزراء فور الانتهاء من الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقرر إجراؤها في نوفمبر 2019.

وسيحصل الرئيس على الصلاحيات التنفيذية التي كان يتملكها رئيس الوزراء. ويشغل حالياً بن علي يلدرم منصب رئيس الوزراء منذ مايو 2016، حيث تم تعيينه في هذا المنصب خلفاً لأحمد داود أوغلو. وكان داود أوغلو قد تولى هذا المنصب في أغسطس 2014 وبقي على رأس عمله حتى صعود الخلافات الدائرة مع إردوغان على السطح حول الانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي وتعارض المسؤوليات بين منصبي رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء.

وفي فترة توليه لرئاسة الحكومة بين عامي 2003 و2014، كان رجب طيب أردوغان (1954) على رأس السلطة التنفيذية، وهو الحائز على شهادة من إحدى مدارس تدريب الأئمة والخطباء وشهادة من كلية الاقتصاد والأعمال. وشغل أردوغان منصب عمدة إسطنبول بين 1994-1998، وسجن لفترة 4 أشهر عام 1999. وفي عام 2001، قام بتأسيس حزب العدالة والتنمية، في أعقاب انشقاق داخل التيار الإسلامي بزعامة المهندس نجم الدين أربكان (1926-2011). ومع أن سلطته لم تُنتقص في الحزب، فقد قاد أردوغان حكومة ذات توجهات عديدة، ابتداءً من وزير الداخلية إدريس نعيم شاهين (1956) المتعصب قومياً ووصولاً إلى نائب رئيس الوزراء بولنت أرينج (1948) الليبرالي. ونتيجة إضعاف الجيش بعد عام 2007، حيث تم سجن عدد كبير من كبار ضباطه، والمحكمة الدستورية التي عملت كهيئة رقابة بين 1980-2000 في عدد من المجالات القانونية والتشريعية، أصبحت السلطة التنفيذية هيئة تتمتع بصلاحيات واسعة جداً.

وشهدت تركيا فترات عديدة تولى فيها حزب واحد السلطة – حزب الشعب الجمهوري بزعامة عصمت إينونو بين 1946 و 1950؛ والحزب الديمقراطي بزعامة عدنان مندرس بين 1950 و 1960؛ وحزب العدالة بزعامة سليمان ديميرال بين 1965 و 1971؛ وحزب الوطن الأم بزعامة تورغوت أوزال بين 1983 و 1991.

خلال السبعينيات والتسعينيات، غالباً ما كانت الحكومات الائتلافية ضعيفة، تاركة للجيش مجالاً واسعاً للمناورة. وكان الانقسام الداخلي في الأجواء السياسية التركية في التسعينيات إحدى العوامل التي أتاحت لحزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان الوصول إلى السلطة بالحصول على معظم الأصوات، بزيادة 34,6% عام 2002 حتى 49,9% عام 2011.

السلطة التشريعية

تم إنشاء مجلس الأمة الكبير (البرلمان التركي) عام 1920 وفق نموذج مجلس النواب العثماني، حيث كان يتمتع بصلاحية إجراء تحقيقات مستقلة للأزمات، فضلاً عن اقتراح مشاريع القوانين، وتعديل الدستور بعد صدور قرارٍ من المجلس بأغلبية ثلاثة أرباع الأصوات.

وفي حزيران/يونيو عام 2012، توزعت مقاعد مجلس الأمة الكبير الـ550 على 326 نائباً من حزب العدالة والتنمية و135 نائباً من حزب الشعب الجمهوري (الاجتماعي الديمقراطي) و51 نائباً من حزب الحركة القومية (اليميني المتطرف) و29 نائباً من حزب السلام والديمقراطية (الحزب الكردي) و7 نواب مستقلين. وبقي هناك مقعدان فارغان. وكان يحق لرئيس الجمهورية الاعتراض لمرّة واحدة على قانون تم التصويت عليه من قبل مجلس الأمة. كما كان من حقه، في حال استمرار النزاع، رفع دعوى إلى المحكمة الدستورية.

وشكلت التعديلات الدستورية، التي اقترحها إردوغان وتم إقرارها في استفتاءٍ شعبي لحظة فارقة في تاريخ الحياة السياسية التركية. وبموجب التعديلات الدستورية التي سيتم العمل بها بعد الانتخابات التشريعية والرئاسية المزمع عقدها في نوفمبر 2019، سيتم رفع عدد نواب البرلمان من 550 إلى 600 عضواً، بالتزامن مع خفض سن الترشح لخوض الانتخابات من 25 إلى 18 سنة. وستصبح عضوية البرلمان لمدة خمس سنوات، بعدما كانت لمدة أربع سنوات. وسيحق للبرلمان ممارسة دوره في الرقابة والتفتيش فضلاً عن طلب فتح تحقيق مع الرئيس أو نوابه أو الوزراء، دون يدعو الرئيس لإجراء انتخاباتٍ عامة. وسيكون في مقدور البرلمان الدعوة لإجراء انتخابات تشريعية جديدة في حال موافقة ثلاثة أخماس أعضائه على ذلك. وستسقط العضوية البرلمانية عن النواب الذين يتم تعيينهم في منصب نائب رئيس أو وزير.
وشهدت السنوات الأخيرة شداً وجذباً بين معارضي ومؤيدي سعي إردوغان نحو تحويل نظام الحكم في تركيا من نظامٍ برلماني إلى نظامٍ رئاسي. وفي الانتخابات التشريعية التي أجريت في يونيو 2015، لم يتمكن حزب العدالة والتنمية من الفوز بثلثي المقاعد البرلمانية الكفيلة بمنح إردوغان القدرة على المضي قدماً في خطواته الرامية إلى تعزيز سلطاته كرئيس.

المصدر: Wikipedia, Hurriyet Daily News. إضغط للتكبير. @Fanack ©Fanack CC BY 4.0

وفاز الحزب بـ40.8% من الأصوات (258 مقعداً)، مقابل 24.9% لحزب الشعب الجمهوري (132 مقعداً) و16.2% لحزب الحركة القومية (80 مقعداً) و13.1% لحزب الشعوب الديمقراطي (الكردي) (80 مقعداً).

وعلى خلفية عدم توافق حزب العدالة والتنمية مع الأحزاب الأخرى على تشكيل حكومة ائتلافية، فقد تمت الدعوة إلى إجراء انتخابات تشريعية مبكرة في نوفمبر 2015، وحينها تمكن الحزب من الفوز بما يزيد عن ثلثي مقاعد البرلمان. وبحسب الموقع الرسمي للبرلمان التركي، فقد فاز الحزب بـ49.4% من أصوات الناخبين (317 مقعداً)، مقابل 25.3% لحزب الشعب الجمهوري (133 مقعداً) و11.9% لحزب الحركة القومية (36 مقعداً) و10.7% لحزب الشعوب الديمقراطي (58 مقعداً)، وحصل المرشحون المستقلون على 5 مقاعد.

النظام القضائي

النظام القضائي في تركيا متأثرٌ بالنماذج الأوروبية، حيث يضم محكمة دستورية تتمتع بصلاحيات واسعة للرقابة (17 عضواً معينين من قبل رئيس الجمهورية ومجلس الأمة الكبير). ويضم النظام القضائي مجلس الدولة (Danıştay) ومحكمة التمييز (Yargitay) وديوان المحاسبات (Sayıştay)، بالإضافة إلى المحاكم العليا والمحاكم من الدرجة الأولى. وعلى الرغم من تمتع نظام العدالة التركي بالاستقلالية بصفةٍ عامة، إلا أنه مسيّس إلى حد كبير وتتحكم فيه الإيديولوجيات. ومن الممكن تفسير القوانين المقيدة بطريقة تعسفية نوعاً ما.

وعلى سبيل المثال، فقد شهدت الفترة الممتدة بين عامي 2001 و2011 الحكم على حوالي 12,897 شخصاً بـ”جرائم إرهابية”، علماً بأن إجمالي عدد الأشخاص الذين تمت محاكمتهم على المستوى العامي بقضايا تتعلق بالإرهاب يصل إلى 35,117 شخصاً. وفي الحالة التركية، قد يتم استخدام مصطلح “إرهابي” للإشارة إلى الطلاب الذين يخرجون في المظاهرات، والمحافظين الأكراد، وأساتذة الجامعات والصحفيين. وغالباً ما كانت تتم محاكمة هؤلاء المتهمين في محاكم تتمتع بصلاحيات خاصة. وتجري حالياً دراسة إلغاء هذه المحاكم.

ويعود النظام القانوني التركي بجذوره إلى عهد التنظيمات الإدارية في الفترة 1839-1876، وعملية التدوين التي قام بها جودت باشا (1822-1895) في عهد عبد الحميد الثاني، والإصلاحات الجذرية التي وقعت في بداية عهد الجمهورية الكمالية بزعامة محمود أسعد بوزكورت (1892-1943)، الذي شغل منصب وزير الاقتصاد ثم وزير العدل، وكان من المعارضين بشدة لفصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية. ومن أبرز الوثائق القانونية للجمهورية الكمالية دستور عام 1924 والقانون المدني لعام 1926 – والذي اعتبر كنسخة محافظة ومعدلة عن القانون المدني السويسري – وقانون العقوبات المستوحى من القانون الذي اعتمدته إيطاليا الفاشية في ذلك الوقت. وعلى الرغم من تعديل الدستور بشكل كامل في عامي 1961 و1982، فقد كان تعديل هذه الوثائق اسمياً، لتواصل بذلك عرقلتها للفضاء القانوني التركي حتى نهاية التسعينات.

وأدى طلب انتساب تركيا في الاتحاد الأوروبي واستفتاء 2010 على تعديل عدة مواد من الدستور إلى تخفيف بعض الإجراءات القمعية للنظام القانوني بشقيه المدني (المساواة والمسؤولية المشتركة داخل الأسرة) والجنائي (إزالة العديد من المواد التي تقيد حرية التعبير ومنح حصانة كاملة للجيش). إلا أن هذه الإصلاحات لم تسمح بتحرير القضاء بالكامل، إذ تجرّم المادة 301 من قانون العقوبات “إهانة الأمة التركية” (التي يمكن فرضها كلما طرح موضوع الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن). وقد يؤدي قانون مكافحة الإرهاب إلى توجيه هذه التهمة بصفةٍ عامة ضد أي معارض. وبغض النظر عن طبيعة النصوص القانونية، تبقى السيطرة على الأجهزة الأمنية غير كافية: حيث أبلغت جمعية حقوق الإنسان عما يقرب من 10,000 انتهاك لحقوق الإنسان، ويعزى الكثير منها إلى الدولة. وأفاد فرع ديار بكر لجمعية حقوق الإنسان والحريات في 4 حزيران/يوليو 2012 عن مقتل 171 طفل خلال 10 سنوات من حكم حزب العدالة والتنمية.

وعلى الرغم من فصل تركيا بين السلطات ومنح الاستقلالية للقضاة منذ نهاية حكم الكماليين (باستثناء بعض الفترات)، إلا أنها فشلت في الحد من تعسف سلطة العدالة. ويتضح ذلك من خلال الدعاوى القضائية ضد البروفيسورة معزز حلمية شيخ، وهي أستاذة في العقد التاسع من عمرها ومتخصصة في الحضارات القديمة في بلاد ما بين النهرين والأناضول، والروائي نديم غورسيل، حيث وجّهت إليهما تهمة إهانة القيم الأخلاقية والدينية. و

في نفس السياق، فقد تمت محاكمة أورهان باموك، الروائي الحائز على جائزة نوبل ، لعدة مرات. ويفسر العديد من المدعين العامين والقضاة القانون بطريقة تعسفية للغاية، على الرغم من عدم خضوعهم لنفوذ السلطة التنفيذية. والمثال الأخير على هذه التدخلات القانونية القوية هو محاكمة فاضل ساي، عازف البيانو الشهير عالمياً، عام 2012 على تغريداته التي تسخر من الإسلام. وهناك المئات من الأعضاء الأكراد المنتخبين الذين تم القبض عليهم أو محاكمتهم خلال العقد الماضي.

وكانت تركيا قد اعتمدت معظم الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالشفافية وحقوق التظلّم والوصول إلى المعلومات والمساواة في المعاملة بين “المواطنين” و“الأجانب”. كما وقعت على اتفاقية فيينا بشأن عقود البيع الدولي للبضائع، متعرفةً بذلك بإمكانية لجوء بلد الطرف الأجنبي المتعاقد إلى القانون في حالة وقوع المنازعات. كما صادقت تركيا على مختلف الاتفاقيات بشأن حماية براءات الاختراع وحقوق المؤلفين والفنانين (رغم استمرار انتشار النسخ غير المشروعة على نطاق واسع).

وشهدت التعديلات الدستورية التي أُقرت في إبريل 2017 إلغاء المحاكم العسكرية بما في ذلك المحكمة العسكرية القضائية العليا والمحكمة العسكرية الإدارية العليا. كما تم حظر تشكيل المحاكم العسكرية باستثناء ما تم وصفه بـ”المحاكم التأديبية”.

الحكومة المحلية

كونها دولة مركزية إلى حد بعيد، لا تمنح تركيا محافظاتها الاستقلال المحلي. ودائماً ما كانت السلطة المركزية ترفض محاولات الانتقال إلى النظام الفدرالي، والذي بدأ يلقى دعماً من الرئيس السابق تورغوت أوزال. غير أن البلديات، والتي لطالما كانت تخضع لإدارة أنقرة مباشرة، حصلت على بعض الاستقلالية في السبعينيات، وأصبحت موضوع معارك سياسية، دامية في بعض الأحيان، بين أحزاب مختلفة أو رجال سياسة محليين. توسعت استقلالية البلديات مع إصلاحات الثمانينيات والتسعينيات.

ارتفع عدد البلديات من 467 عام 1929 إلى 544 عام 1947، و 862 عام 1956 ثم 1062 عام 1965. وارتفع عدد موظفيها من 5180 عام 1932 إلى 45,132 عام 1964 حتى وصل إلى الذروة في السبعينيات. حالياً، توظف البلديات حوالي 260,970 في حين توظف الحكومة المركزية 2,029,185 (باستثناء مؤسسات الدولة التي تستخدم أكثر من 450,000 موظف). في أعقاب تأسيس 16 بلدية أكبر، أصبحت السلطات المحلية هياكل مستقلة تتمتع بميزانيات كبيرة (على سبيل المثال، 3,7 مليار دولار لإسطنبول، و 470 مليون دولار لبورصا، و 76 مليون دولار لمانيسا). وحصلت البلديات في المناطق الكردية، والتي كانت خاضعة على مر السنين لإدارة حزب السلام والديمقراطية الكردي، على استقلالية حقيقية، لكن مقابل اعتقال العديد من المحافظين.

الأحزاب السياسية

تاريخ الأحزاب السياسية في تركيا معقد ومؤلم في الوقت ذاته: تسببت الأزمات السياسية بتقسيم هذه الأحزاب، كما تم حظر العديد منها من قبل الأنظمة العسكرية أو المحكمة الدستورية. وفي أعقاب الانقلاب السياسي عام 1960، حكم على العديد من السياسيين إما بالسجن لمدة أعوام طويلة أو تم اغتيالهم.

هناك 22 حزباً ناشطاً في تركيا حالياً، ولكن عتبة الحصول على مقاعد في البرلمان هي 10% من الأصوات (على مستوى المناطق الانتخابية والبلاد ككل)، لذلك فإن لأربع أحزاب فقط مقاعد في مجلس الأمة التركي الكبير. يصف

حزب العدالة والتنمية

تأسس حزب العدالة والتنمية عام 2001 على إثر انشقاق حدث في صفوف أعضاء حزب الفضيلة الإسلامي بعد حله من قبل المحكمة الدستورية. وفاز هذا الحزب في الانتخابات التشريعية في الأعوام 2002 و2007 و2011 و2015 على التوالي ليحتل مركزاً قوياً في الحياة السياسية التركية. ويعتبر حزب العدالة والتنمية من الأحزاب المحافظة على الصعيد السياسي والليبرالية على الصعيد الاقتصادي. وتولى رجب طيب أردوغان زعامة الحزب بين عامي 2001 و2014، وحل بعده في هذا المنصب أحمد داود أوغلو بين عامي 2014 و2016. وبعد إقرار التعديلات الدستورية في 2017، عاد إردوغان ليتولى رئاسة الحزب خلفاً لرئيس الوزراء التركي الحالي بن علي يلدرم.

حزب الشعب الجمهوري

تأسس حزب الشعب الجمهوري من قبل مصطفى كمال (أتاتورك) (1881- 1938) عام 1923 ولعب دوراً مركزياً في تأسيس الجمهورية عام 1923 ومن ثم نظام الحزب الواحد عام 1925. بعد اندماجه مع الدولة عام 1937، اضطر الحزب إلى قبول سياسة التعددية عام 1945. وبعد موت مصطفى كمال عام 1938، تزعم الحزب عصمت إينونو (1884-1973) ومن ثم بولنت أجاويت (1925-2006).

شهد الحزب أزمة داخلية كبيرة بين 1980 و 2000، خاصة في عهد زعيمه دنيز بايكال (1938)، ومن ثم كمال قليچدارأوغلو (1948). يتمتع هذا الحزب بثقة حوالي 25% من الناخبين، بمن في ذلك العديد من العلويين.

حزب السلام والديمقراطية

تأسس حزب السلام والديمقراطية ليحل محل حزب العمل الشعبي الذي أسسه بعض الناشطين اليساريين الأكراد والأتراك عام 1990. كان هذا أول حزب “مناصر للأكراد” يتمتع بتمثيل برلماني، إلى أن تم حظره من قبل المحكمة الدستورية. وغالباً ما تعرضت الأحزاب السابقة – الحزب الديمقراطي، الحزب الديمقراطي الشعبي، حزب الشعب الديمقراطي، حزب المجتمع الديمقراطي – لقمع شديد كما تم حظرها. ولاحقاً شكل حزب السلام والديمقراطية (تأسس عام 2008) مجموعة برلمانية.

حزب الحركة القومية

تأسس حزب الحركة القومية عام 1969 من قبل الكولونيل ألب أرسلان توركش (1917-1997)، بعد تغيير اسم حزب قديم كان يتزعمه (حزب القرويين الجمهوريRepublican Villagers National Party). ولطالما شكل هذا الحزب نقطة ارتكاز أساسية للتعصب القومي التركي. وبفضل شبكة “مجامر المثال الأعلى” (Hearths of the Ideal) ودعم مجموعة من الناخبين في منطقة وسط الأناضول والمناطق الساحلية، تولى دولت بهجلي زعامة الحزب بعد موت مؤسسه باسبوغ عام 1997.

هناك أيضاً آلاف الأحزاب اليمينية واليسارية، مثل حزب السعادة (الإسلامي) ومعسكر القوميين الجدد والأحزاب الراديكالية اليسارية غير الشرعية.

الجيش

استعراض عسكري في معركة غاليبولي في كاناكالي عام 2012 / Photo Shutterstock

استعراض عسكري في معركة غاليبولي في كاناكالي عام 2012 / Photo Shutterstock 

حلت تركيا في المرتبة 9 من 137 بين الدول التي شملها تقرير Global Firepower لعام 2019.

وقدر عدد من بلغوا سن الخدمة العسكرية في عام 2019م وفقًا لتقرير غلوبال فاير باور 1,406,075 فردًا، كما قدر حجم الإنفاق العسكري في العام ذاته بنحو 8.6 مليار دولار. وقد شكل حجم الإنفاق العسكري للبلاد نحو 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2018م، مقارنة بنحو 2.1%، و2.1% في عامي 2016، و2017 على التوالي، وفقًا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.

لعبت المؤسسة العسكرية دوراً أساسياً في النظام السياسي العثماني والتركي بين عامي 1908 و2010، سواءً أكان ذلك عن طريق هيئة موحدة أو مجموعات من الضباط المنشقين. ففي تموز/يوليو عام 1908، أسفرت ثورة الضباط المنتمين إلى جمعية “الاتحاد والترقي” في مقدونيا عن إعادة العمل بالدستور العثماني المعلق منذ عام 1877، حيث هددت بالزحف نحو العاصمة في حال لم يتم تحقيق مطالب الضباط.

وبعد مرور عام، قام “جيش العمل” الذي تم تشكيله في البلقان بقمع “الثورة المضادة” للمنشقين عن رؤسائهم بشكل دموي في إسطنبول، مما أدى إلى الإطاحة بالسلطان عبد الحميد الثاني. وكانت المرة الثالثة من مسلسل التدخلات العسكرية تخطيط ضباط جمعية الاتحاد والترقي للانقلاب بعد هزيمة العثمانيين في حرب البلقان الأولى (25 كانون الثاني/يناير 1913)،

المؤشرالعددالمرتبة من 137 دولة
إجمالي عدد الأفراد العسكريين735,000-
عدد العاملين بالجيش 355,000-
عدد قوات الاحتياط 380,000-
إجمالي قوة الطائرات 1,06710
الطائرات المقاتلة20714
الطائرات الهجومية20714
طائرات النقل878
إجمالي قوة طائرات الهليكوبتر4928
عدد مدربي الطيران2899
عدد الدبابات3,2007
مركبات القتال المدرعة 9,5007
منصات الصواريخ 35012
عدد القطع البحرية194-
سفن حربية (فرقاطة)16-

ما أدى إلى قيام نظام أحادي الحزب تحكمه حكومة (الترويكا) مؤلفة من طلعت باشا (1874-1921) وزير الداخلية (الذي أصبح رئيساً للوزراء عام 1916)؛ وجمال باشا (1872- 1922) وزير البحرية؛ وأنور باشا (1881- 1922) وزير الحربية.

وأدت هزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى (نهاية شهر تشرين الأول/أكتوبر 1918) إلى دمار شبه كامل للجيش ونشوء ميليشيات خاصة.

وقد تزامن ذلك مع توقيع الدولة العثمانية لاتفاقية سيفر التي قبلت من خلالها التخلي عن المناطق العربية التي تحكمها السلطنة في إفريقيا وآسيا، فضلاً عن تقسيم ما يعرف حالياً بتركيا الحالية إلى مناطق سيطرة مباشرة ومناطق نفوذ بين بريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليونان. كما وافق السلطان على إقامة دولة أرمنية ومنح الأكراد الحكم الذاتي وحق تقرير المصير. وسمحت حرب الاستقلال التي قادها مصطفى كمال باشا (1881-1938) بين عامي 1919 و1923 بنشوء دولة مركزية تعتمد في سلطتها على الجيش. وبات الجيش يلعب دوراً حاسماً في اللعبة السياسية التركية، باعتباره “حامياً للعلمانية ونهج أتاتورك”. ورغم دخول تركيا في حقبة التعددية الحزبية بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية، إلا أن ذلك لم يحل دون تشكيل العديد من اللجان العسكرية غير الشرعية وتنفيذ ثلاثة انقلابات عسكرية ترتب عليها تشكيل حكومات عسكرية بين أعوام (1960-1961، 1971-1973، 1980-1983). وواصل الجيش ممارسة سلطة حقيقية على الحكومات المدنية بين عامين 1980 و2000، كما تولى الإدارة المباشرة للسياسة الكردية والأصولية الإسلامية.

ويضم الجيش التركي في صفوفه حوالي 600 ألف جندي، بينهم مجندون وضباط محترفون متطوعون خضعوا للتدريب في كليات عسكرية. وتعتبر الخدمة العسكرية إلزامية، ويحظّر على المواطنين رفضها. ويتكون الجيش من القوات البرية (قيادات الأركان في إسطنبول وملاطيا وإرزينجان ومنطقة إيجة؛ ويتألف من 10 فيالق)، والقوات الجوية (في إسكيشهير وديار بكر)، والقوات البحرية، والدرك التابع لوزارة الداخلية.

ولا يعتبر رئيس الأركان العامة مسؤولاً أمام وزير الدفاع، وهذا ما يمنح الجيش استقلالية تامة وإدارة ذاتية على مستوى ترقية العناصر وتسريحهم. غير أنّ هذه الاستقلالية باتت مقيدة. ولم يعد الجيش يلعب دوراً مباشراً في المجال

الجيش التركي
المصدر: globalfirepower.com. @Fanack

السياسي، لكن ذلك لا يعني تمتعه بدورٍ أساسي في مجال الأمن القومي. ويُعتبر الجيش إحدى القوى الاقتصادية الكبرى الأكثر أهمية في البلاد، وذلك بفضل ما يُعرف بالتعاضد المشترك (صندوق تعاضد القوات المسلحة OYAK).

وفي أعقاب وصول حزب العدالة والتنمية (AKP) إلى السلطة عام 2002، كانت العلاقة بين شد وجذب مع الجيش، حتى خسر هذا الأخير معركة الهيمنة في عام 2007. وأحدث اكتشاف عشرات آلاف الوثائق التي تثبت تحضيرات الجيش لانقلابات فاشلة اضطراباً هائلاً في أوساط الرأي العام. وكان ذلك أمراً غير مسبوق في تاريخ تركيا، ما أدى إلى اعتقال العديد من الجنرالات الذين لا يزال بعضهم في السجن. وشكلت محاولة الانقلاب الفاشلة التي تم تنفيذها في يوليو 2016 لحظةً فارقةً في تاريخ الجيش التركي والسياسة التركية بصفةٍ عامة. وقد ترتب على هذه الخطوة اعتقال حوالي 360 من جنرالات الجيش بالتزامن مع تسريح واعتقال الآلاف من العسكريين والموظفين الحكوميين.

وكانت حكومة حزب العدالة والتنمية قد اتهمت الجيش بتنسيق محاولة الانقلاب مع جماعة فتح الله غولن التي يتم وصفها حكومياً بـ”الكيان الموازي”. وبحسب خبراء، فإن الجيش التركي بات “قوة مكسورة” بعد الانقلاب وسيحتاج سنوات عدة ليعاود التعافي. وأشار جيمس سترافريديس، القائد الأعلى السابق لقوات حلف “الناتو”، إلى أن محاولة الانقلاب أثرت بـ”صورةٍ فادحة” على جهوزية الجيش التركي. من جانبه، أعلن إردوغان عن ضرورة إعادة هيكلة القوات المسلحة بصورةٍ سريعة وبما يكفل وصول “دماء جديدة” إليها.

وعلى مستوى التسليح، يعتمد الجيش التركي في استيراد الأسلحة بشكلٍ خاص من الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا والصين، فضلاً عن تصنيع العديد من الأسلحة على المستوى المحلي.

وفي يناير 2017، وقعت تركيا صفقة بقيمة 110 مليون دولار أمريكي لتصنيع طائرات مقاتلة “TF-X” مع بريطانيا. وفي مارس من العام نفسه، دخلت تركيا في مفاوضات مع روسيا لشراء نظام الدفاع الصاروخي “S-400”. وشهدت صفقات السلاح التركية – الألمانية الكثير من التعقيد منذ محاولة الانقلاب الفاشلة وما تلاها من حملة اعتقالات واسعة، حيث رفضت برلين 10 طلبات لشراء السلاح من أنقرة.

أحدث المقالات

فيما يلي أحدث المقالات التي كتبها صحفيون وأكاديميون مرموقون بشأن موضوع “السياسة” و “تركيا”. تم نشر هذه المقالات في ملف البلد هذا أو في أي مكان آخر على موقعنا على الإنترنت:

Advertisement
Fanack Water Palestine